أحمـــد
07-09-2006, 10:37 PM
هو إبراهيم بن تارخ(وهو ءازر) بن ناخور بن ساروغ بن ارغو بن فالع ابن غابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل: إن إبراهيم عليه السلام كان يكنى أبا الضيفان لأنه كان مضيافًا كثير الكرم لمن استضافه.
كان أهل بابل في العراق يتنعمون برغد العيش ويتفيئون ظلال النعيم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، ولكنهم كانوا يتخبطون في دياجير الظلام ويتردون في وهاد الظلال والكفر، فقد نحتوا بأيديهم الأصنام واتخذوها من دون الله ءالهة وعكفوا على عبادتها، وكان عليهم حاكم ظالم مُستبد يقال له نمرود بن كنعان بن كوش، قيل هو الضحاك وقيل غيره، وكان أحد الملوك الذين ملكوا الأرض وأحاط ملكه مشارق الأرض ومغاربها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يتمتع به من سطوة الملك وقوة السلطان، ورأى ما أطبق على قومه من الجهل والفساد ادعى الألوهية ودعا قومه إلى عبادته، وقيل: كان قوم إبراهيم يعبدون الكواكب السبعة وكان لهم أصنام بشكل الشمس والقمر وأصنام بشكل الكواكب.
مولد إبراهيم عليه السلام
في وسط هذه البيئة المنحرفة وفي زمن وعهد هذا الملك الجبار الكافر النمرود كان مولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي موضع ولادته عليه السلام خلاف قيل : ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل : ولد ببابل وهي أرض الكلدانيين، وقيل: بحران، وقيل : بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، والمشهور عند أهل السير والتواريخ أنه ولد ببابل.
قال أهل التوارخ والسير: إنه لما أراد الله عزوجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام وأن يجعله حجة على قومه ونبيا رسولا إليهم، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هودًا وصالحًا عليهما السلام، ولما تقارب زمان إبراهيم أتى المنجمون إلى هذا الملك نمرود وقالوا له: اعلم إنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود هذا إلى كل امرأة حُبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم زوجة ءازر والد إبراهيم عليه السلام فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل هذا الملك الطاغية لا تلد إمرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذُبح، فلما وجدت أم إبراهيم عليه السلام الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، كانت تزوره وتطالعهُ في المغارة لتنظر ما فعل، فكان يشبُ في اليوم ما يشب غيره في الشهر وكانت تأتي فتجده حيا يمص إبهامه، فقد جُعل رزقُ إبراهيم عليه السلام في إبهامه فيما يجيئه من مصه، ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهرا، ثم ترعرع وكبر واصطفاه الله ليمل رسالته وإبانة الحق ودعاء قومه إلى عبادة الله وحده إلى العقيدة الصافية من الدنس والشرك، إلى ترك عبادة الكواكب والأصنام وإلى الدخول في دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء
.عدد ذكره في القرءان الكريم
ذكرت قصة إبراهيم في عدة مواضع من القرءان، تارة باختصار وتارة بالتطويل وتارة بذكر شأن من شئونه في سورة، ثم شأن ءاخر من شئونه في سورة أخرى.
وقصة إبراهيم عليه السلام ترتبط بها قصص أخرى كقصة لوط، لأن إبراهيم ولوطا كانا متعاصرين، ونبي الله لوط هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقد ءامن لوط بعمه إبراهيم 0
نبوة إبراهيم ورسالته ونشأته عليه السلام
اختار الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام وجعله نبيا رسولا واصطفاه لهداية قومه ودعوتهم إلى دين الإسلام وتوحيد الله وترك عبادة الكواكب والأصنام التي لا تخلق شيئًا ولا تستحق العبادة، لأن الذي يستحق العبادة وحده هو الله تبارك وتعلاى خالق كل شىء.
وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام كفيره من الأنبياء مُنذ صغره ونشأته مُسلمًا مؤمنًا عارفًا بربه معتقدًا عقيدة التوحيد مُنزهًا ربه عن مشابهة المخلوقات، ومدركًا أن هذه الأصنام التي يعبدها قومه لا تغني عنهم من الله شيئًا، وأنها لا تضر ولا تنفع لأن الضار النافع على الحقيقة هو الله تعالى وحده.
ولقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام مفعم النفس بالإيمان بربه وعارفًا به ممتلىء الثقة بقدرة الله وأن الله تعالى قادر على كل شىء لا يعجزة شىء، وكان غير شاك ولا مرتاب بوجود الله سبحانه مؤمنا بما أوحي إليه من بعث الناس بعد موتهم يوم القيامة وحسابهم في الحياة الأخرى على أعمالهم وما قدموا في هذه الحياة الدنيا.
دعوة إبراهيم أباه إلى الإسلام
ذكر أهل التواريخ أن إبراهيم انطلق بزوجته سارة وابن أخيه لوط فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أول دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركًا يصنعُ الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه إلى عبادة الله وحده وإلى دين الحق والإسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة،
ذكر الله ما جرى بين إبراهيم وأبيه من المحاورة والجدال في دعوته إلى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيّن له بُطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئًا أو تفعل به خيرًا من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدي والعلم النافع فدعاه لإلى أتباعه وإن كان أصغر سنا من أبيه لأن أتباعه ودخوله في دين الإسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السوي الذي يفضي به إلى الخير في الدنيا والآخرة.
ثم بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون مُنقادًا للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا أن يرد عنه عقوبته وسخطه.
لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله إبراهيم عليه السلام ولم يستجب لدعوته بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه إبراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان الكريم: فعندها قال له إبراهيم ما حكا الله عنه : .
و قوله: أي سأطلب من الله أن يغفر لك كفرك بالدخول في الإسلام ولسي معناه إني أطلب لك باللفظ كما يستغفر المسلم للمسلم بقوله : الله يغفر لك أو أستغفر الله لك، ومعنى قوله : أي لطيفًا يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له ولهذا قال ما حكاه الله عنه في كتابه العزيز : ، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ءازر على المعنى الذي ذكرناه سابقا كما وعده إبراهيم في أدعيته فلما تبيم له أنه عدو الله تبرأ منه كما قال الله تعالى : ، أي لما علم أنه لا يسلم بل يموت على الكفر تبرأ منه.
قصة إبراهيم في تكسيره للأصنام التي يعبدها قومه
ولما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنهم ما زالوا مُتعلقين بأوهامهم مُتمسكين بعبادة أصنامهم عقد النية على أن يكيد أصنامهم ويفعل بها أمرًا يقيم الحجة به عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم ويصحون من كبوتهم، وكان من عادة قومه أن يُقيموا لهم عيدًا، فلما حل عليهم عيدهم وهموا بالخروج إلى خارج بلدهم دعوه ليخرج معهم فأخبرهم أنه سقيم لأنه أراد التخلف عنهم ليكس أصنامهم ويقيم الحجة عليهم،
فلما مضى قومه ليحتفلوا بعيدهم نادى في ءاخرهم: قيل: سمعه بعضهم وقيل: خفية في نفسه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الأصنام الذي كان فيه قومه يعبدون هذه الأصنام، فإذا هو في بهو عظيم واسع مستقبل باب البهو صنم كبير إلى جانبه أصنام صغيرة بعضها إلى جنب بعض، وإذا هم قد صنعوا لها طعامًا وضعوه أمام هذه الأصنام، فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مابين أيدي هذه الأصنام من الطعام الذي وضعه قومه قربانا لها ورأى سخافة عقولهم، خاطب هذه الأصنام وقال لها على سبيل التهكم والازدراء: فلما لم تجُبه قال لها أيضا على سبيل الاحتقار : .
أمسك بيده اليُمنى فأسًا وأخذ يهوي على الأصنام يكسرها ويحطمُ حجارتها قال تعالى: ، وما زال كذلك حتى جعلها كلها حُطاما إلا كبير هذه الأصنام فقد أبقى عليه وعلق الفأس في عنقه ليرجعوا إليه فيظهر لهم أنها لا تنطق ولا تعقل ولا تدفع عن نفسها ضررا، وبذلك يقيم سيدنا إبراهيم الحجة على قومه الكافرين الذين يعبدونها على غير برهان ولا هدى تقليدًا لآبائهم،
ولما رجع قومه من عيدهم ووجدوا ما حل بأصنامهم بُهتوا واندهشوا وراعهم ما رأوا في أصنامهم، قال تعالى: يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزىء بها وهو الذي نظن أنه صنع هذا وكسرها، وبلغ ذلك الخبر الملك نمرود الجبار ملك البلاد وحاكمها وأشراف قومه وأجمعوا على أن يحضروا إبراهيم ويجمعوا الناس ليشهدوا عليه ويسمعوا كلامه وكان اجتماع الناس في هذا المكان الواحد مقصد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليقيم على قومه الحجة على بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وتقاطرت الوفود وتكاثرت جموع الكافرين كل يريد الاقتصاص من إبراهيم نبي الله الذي أهان أصنامهم واحتقرها، ثم جاءوا بإبراهيم عليه السلام إلى هذا الجمع الزاخر من الكافرين أمام ملكهم الجبار نمرود وهنا وجد نبي الله إبراهيم الفرصة سانحة ليقيم الحجة عليهم وليظهر لهم سُخف مُعتقدهم وبُطلان دينهم وهذا إلزام للحجة عليهم بأن الأصنام جماد لا تقدر على النطق، وأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة فهي لا تضر ولا تنفع، ولا تملك لهم نفعا ولا ضرا ولا تغني عنهم شيئا.
فعادوا إلى أنفسهم فيما بينهم بالملامة لأنهم تركوها من غير حافظ لها ولا حارس عندها، ثم عادوا فقالوا لإبراهيم عليه السلام ما أخبر الله تعالى: أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه الأصنام التي نعبدها لا تنطق فكيف تطلب منا أن نسألها.
فلما أقروا على أنفسهم بأن أصنامهم التي اتخذوها ءالهة من دون الله عاجزة في الإصغاء والنطق واعترفوا أنها عاجزة لا تدرك ولا تشعر ولا تقدر ولا حياة لها، عند ذلك أقام إبراهيم عليه السلام الحجة عليهم وأفحمهم قال الله تعالى: ، عند ذلك غلُبوا على أمرهم وألزمهم نبي الله إبراهيم الحجة عليهم فلم يجدوا حجة يحتجون بها عليه،
كان أهل بابل في العراق يتنعمون برغد العيش ويتفيئون ظلال النعيم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، ولكنهم كانوا يتخبطون في دياجير الظلام ويتردون في وهاد الظلال والكفر، فقد نحتوا بأيديهم الأصنام واتخذوها من دون الله ءالهة وعكفوا على عبادتها، وكان عليهم حاكم ظالم مُستبد يقال له نمرود بن كنعان بن كوش، قيل هو الضحاك وقيل غيره، وكان أحد الملوك الذين ملكوا الأرض وأحاط ملكه مشارق الأرض ومغاربها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يتمتع به من سطوة الملك وقوة السلطان، ورأى ما أطبق على قومه من الجهل والفساد ادعى الألوهية ودعا قومه إلى عبادته، وقيل: كان قوم إبراهيم يعبدون الكواكب السبعة وكان لهم أصنام بشكل الشمس والقمر وأصنام بشكل الكواكب.
مولد إبراهيم عليه السلام
في وسط هذه البيئة المنحرفة وفي زمن وعهد هذا الملك الجبار الكافر النمرود كان مولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي موضع ولادته عليه السلام خلاف قيل : ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل : ولد ببابل وهي أرض الكلدانيين، وقيل: بحران، وقيل : بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، والمشهور عند أهل السير والتواريخ أنه ولد ببابل.
قال أهل التوارخ والسير: إنه لما أراد الله عزوجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام وأن يجعله حجة على قومه ونبيا رسولا إليهم، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هودًا وصالحًا عليهما السلام، ولما تقارب زمان إبراهيم أتى المنجمون إلى هذا الملك نمرود وقالوا له: اعلم إنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود هذا إلى كل امرأة حُبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم زوجة ءازر والد إبراهيم عليه السلام فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل هذا الملك الطاغية لا تلد إمرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذُبح، فلما وجدت أم إبراهيم عليه السلام الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، كانت تزوره وتطالعهُ في المغارة لتنظر ما فعل، فكان يشبُ في اليوم ما يشب غيره في الشهر وكانت تأتي فتجده حيا يمص إبهامه، فقد جُعل رزقُ إبراهيم عليه السلام في إبهامه فيما يجيئه من مصه، ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهرا، ثم ترعرع وكبر واصطفاه الله ليمل رسالته وإبانة الحق ودعاء قومه إلى عبادة الله وحده إلى العقيدة الصافية من الدنس والشرك، إلى ترك عبادة الكواكب والأصنام وإلى الدخول في دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء
.عدد ذكره في القرءان الكريم
ذكرت قصة إبراهيم في عدة مواضع من القرءان، تارة باختصار وتارة بالتطويل وتارة بذكر شأن من شئونه في سورة، ثم شأن ءاخر من شئونه في سورة أخرى.
وقصة إبراهيم عليه السلام ترتبط بها قصص أخرى كقصة لوط، لأن إبراهيم ولوطا كانا متعاصرين، ونبي الله لوط هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقد ءامن لوط بعمه إبراهيم 0
نبوة إبراهيم ورسالته ونشأته عليه السلام
اختار الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام وجعله نبيا رسولا واصطفاه لهداية قومه ودعوتهم إلى دين الإسلام وتوحيد الله وترك عبادة الكواكب والأصنام التي لا تخلق شيئًا ولا تستحق العبادة، لأن الذي يستحق العبادة وحده هو الله تبارك وتعلاى خالق كل شىء.
وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام كفيره من الأنبياء مُنذ صغره ونشأته مُسلمًا مؤمنًا عارفًا بربه معتقدًا عقيدة التوحيد مُنزهًا ربه عن مشابهة المخلوقات، ومدركًا أن هذه الأصنام التي يعبدها قومه لا تغني عنهم من الله شيئًا، وأنها لا تضر ولا تنفع لأن الضار النافع على الحقيقة هو الله تعالى وحده.
ولقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام مفعم النفس بالإيمان بربه وعارفًا به ممتلىء الثقة بقدرة الله وأن الله تعالى قادر على كل شىء لا يعجزة شىء، وكان غير شاك ولا مرتاب بوجود الله سبحانه مؤمنا بما أوحي إليه من بعث الناس بعد موتهم يوم القيامة وحسابهم في الحياة الأخرى على أعمالهم وما قدموا في هذه الحياة الدنيا.
دعوة إبراهيم أباه إلى الإسلام
ذكر أهل التواريخ أن إبراهيم انطلق بزوجته سارة وابن أخيه لوط فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أول دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركًا يصنعُ الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه إلى عبادة الله وحده وإلى دين الحق والإسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة،
ذكر الله ما جرى بين إبراهيم وأبيه من المحاورة والجدال في دعوته إلى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيّن له بُطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئًا أو تفعل به خيرًا من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدي والعلم النافع فدعاه لإلى أتباعه وإن كان أصغر سنا من أبيه لأن أتباعه ودخوله في دين الإسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السوي الذي يفضي به إلى الخير في الدنيا والآخرة.
ثم بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون مُنقادًا للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا أن يرد عنه عقوبته وسخطه.
لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله إبراهيم عليه السلام ولم يستجب لدعوته بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه إبراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان الكريم: فعندها قال له إبراهيم ما حكا الله عنه : .
و قوله: أي سأطلب من الله أن يغفر لك كفرك بالدخول في الإسلام ولسي معناه إني أطلب لك باللفظ كما يستغفر المسلم للمسلم بقوله : الله يغفر لك أو أستغفر الله لك، ومعنى قوله : أي لطيفًا يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له ولهذا قال ما حكاه الله عنه في كتابه العزيز : ، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ءازر على المعنى الذي ذكرناه سابقا كما وعده إبراهيم في أدعيته فلما تبيم له أنه عدو الله تبرأ منه كما قال الله تعالى : ، أي لما علم أنه لا يسلم بل يموت على الكفر تبرأ منه.
قصة إبراهيم في تكسيره للأصنام التي يعبدها قومه
ولما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنهم ما زالوا مُتعلقين بأوهامهم مُتمسكين بعبادة أصنامهم عقد النية على أن يكيد أصنامهم ويفعل بها أمرًا يقيم الحجة به عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم ويصحون من كبوتهم، وكان من عادة قومه أن يُقيموا لهم عيدًا، فلما حل عليهم عيدهم وهموا بالخروج إلى خارج بلدهم دعوه ليخرج معهم فأخبرهم أنه سقيم لأنه أراد التخلف عنهم ليكس أصنامهم ويقيم الحجة عليهم،
فلما مضى قومه ليحتفلوا بعيدهم نادى في ءاخرهم: قيل: سمعه بعضهم وقيل: خفية في نفسه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الأصنام الذي كان فيه قومه يعبدون هذه الأصنام، فإذا هو في بهو عظيم واسع مستقبل باب البهو صنم كبير إلى جانبه أصنام صغيرة بعضها إلى جنب بعض، وإذا هم قد صنعوا لها طعامًا وضعوه أمام هذه الأصنام، فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مابين أيدي هذه الأصنام من الطعام الذي وضعه قومه قربانا لها ورأى سخافة عقولهم، خاطب هذه الأصنام وقال لها على سبيل التهكم والازدراء: فلما لم تجُبه قال لها أيضا على سبيل الاحتقار : .
أمسك بيده اليُمنى فأسًا وأخذ يهوي على الأصنام يكسرها ويحطمُ حجارتها قال تعالى: ، وما زال كذلك حتى جعلها كلها حُطاما إلا كبير هذه الأصنام فقد أبقى عليه وعلق الفأس في عنقه ليرجعوا إليه فيظهر لهم أنها لا تنطق ولا تعقل ولا تدفع عن نفسها ضررا، وبذلك يقيم سيدنا إبراهيم الحجة على قومه الكافرين الذين يعبدونها على غير برهان ولا هدى تقليدًا لآبائهم،
ولما رجع قومه من عيدهم ووجدوا ما حل بأصنامهم بُهتوا واندهشوا وراعهم ما رأوا في أصنامهم، قال تعالى: يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزىء بها وهو الذي نظن أنه صنع هذا وكسرها، وبلغ ذلك الخبر الملك نمرود الجبار ملك البلاد وحاكمها وأشراف قومه وأجمعوا على أن يحضروا إبراهيم ويجمعوا الناس ليشهدوا عليه ويسمعوا كلامه وكان اجتماع الناس في هذا المكان الواحد مقصد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليقيم على قومه الحجة على بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وتقاطرت الوفود وتكاثرت جموع الكافرين كل يريد الاقتصاص من إبراهيم نبي الله الذي أهان أصنامهم واحتقرها، ثم جاءوا بإبراهيم عليه السلام إلى هذا الجمع الزاخر من الكافرين أمام ملكهم الجبار نمرود وهنا وجد نبي الله إبراهيم الفرصة سانحة ليقيم الحجة عليهم وليظهر لهم سُخف مُعتقدهم وبُطلان دينهم وهذا إلزام للحجة عليهم بأن الأصنام جماد لا تقدر على النطق، وأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة فهي لا تضر ولا تنفع، ولا تملك لهم نفعا ولا ضرا ولا تغني عنهم شيئا.
فعادوا إلى أنفسهم فيما بينهم بالملامة لأنهم تركوها من غير حافظ لها ولا حارس عندها، ثم عادوا فقالوا لإبراهيم عليه السلام ما أخبر الله تعالى: أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه الأصنام التي نعبدها لا تنطق فكيف تطلب منا أن نسألها.
فلما أقروا على أنفسهم بأن أصنامهم التي اتخذوها ءالهة من دون الله عاجزة في الإصغاء والنطق واعترفوا أنها عاجزة لا تدرك ولا تشعر ولا تقدر ولا حياة لها، عند ذلك أقام إبراهيم عليه السلام الحجة عليهم وأفحمهم قال الله تعالى: ، عند ذلك غلُبوا على أمرهم وألزمهم نبي الله إبراهيم الحجة عليهم فلم يجدوا حجة يحتجون بها عليه،