الحلوة
08-10-2006, 10:32 PM
كان الليل يسدل أستاره والظلام مخيماً في الحي كله ومن خلف البيوت كان يضيء مصباح خافت يرسل بحنان نوراً باهتاً حزيناً على تلك المرأة التي ضمتها الكآبة ولفها الحزن وغمرها الشعور بالوحدة وفقدان المعين ، لقد استغرق أولادها في نوم عميق وبقيت سارحة مع أفكارها غارقة في أحزانها تائهة لا تدري ماذا تفعل ؟ وكيف تخرج من تلك المشكلة التي رمتها في وسطها الأقدار ؟ وعصفت بها رياح الزمن وتركتها تصارع أمواج الحيرة وتغرق في بحر من الدموع .....
وطال الصمت ... وهي لا تزال شاردة الذهن مشغولة البال تحاول أن تستخلص بنات أفكارها لتصل إلى فكرة تنقذها مما هي فيه وتحملها إلى شواطئ الأمل وبر السلامة ....
وفجأة رن جرس الهاتف فارتعدت أوصالها لصوته الذي يكسر جدار الصمت ويحملها على الكلام وهي لا ترغب في التحدث مع أحد .. وبعد أن تكرر رنين الهاتف متوسلاً إليها أن تأخذ سماعته وتسمع شُكاته قامت إليه متثاقلة قبل أن يوقظ صوته النائمين لتجد أختها أمينة وتسأل عن سبب غيابها عن زيارتهم الأسرية .
لقد انتظرناك طويلاً وها قد انتهت الزيارة ولم تأتي ..
وحاولت أم خالد التحدث فلم تسعفها الكلمات ولم يساعدها صوتها الذي كان يخرج من أعماق حلقها – بصعوبة خافتاً – متقطعاً .
أنهت أمينة المكالمة لتترك أختها ترتاح بعد أن وعدتها أن تأتي إليها في صبيحة اليوم التالي ...
وطلع فجر الغد فتبدد الظلام وأشرقت الأرض بالضياء ولكن الدنيا بقيت مظلمة بعين أم خالد ولم تشعر بنور الشمس الساطع ولم تُجدد حياتها بميلاد يوم جديد ، فهي لم تنم بل بقيت حائرة الفكر ، شاردة الذهن كسيرة الفؤاد ..
وجاءت أختها أمينة تطلب منها أن تخبرها بسرعة عما يختلج صدرها ويكابد فؤادها ..
كان صوت أم خالد يغيب وهي تجهش بالبكاء وتروي لأختها ما رأته من ابنها خالد ...
وكانت دهشة الأخت كبيرة فسألت باستغراب ...
أيدخن وهو لا يزال في الثامنة من عمره ؟!! .. هذا غير معقول ... ألم يعلم ما حصل لأبيه من قبل ؟!
فتنهدت أم خالد تنهيدة عميقة وأجابت:إنه صغير السن لا يدرك حقيقة مرض أبيه فقد كان في السادسة من عمره حين مرض أبوه . أما أنا فلن أنسى ما حصل فقد كان زوجي يدخن باستمرار إلى أن أصابه سرطان الرئة الذي أودى بحياته كما تعلمين بعد مشوار طويل من العناء والمرض . كان لا ينام ولا يترك أحداً ينام من السعال والقطران الذي يملأ صدره ويسبب له ضيقاً في التنفس وتقشعاً مستمراً ...
آه لو تعلمين يا أختي كم كنت أتوسل إليه أن يترك التدخين رفقاً بصحته التي كانت تتدهور شيئاً فشيئاً ، ردت الأخت : نعم أذكر كم مرّةً نقل فيها إلى المستشفى ، وأذكر كم قضيت من ليال حزينة وأنت إلى جانبه – وهو يكابد الألم ويعاني الأوجاع القاسية – كنتِ لا تستريحين بل تتنقلين بين تربية الأطفال ومتابعتهم وبين مرافقته إلى المستشفى وهو يعاني من الالتهاب الشُعبي والكحة الشديدة وضيق التنفس .. وكم كان الأطباء ينصحونه في كل مرة بترك التدخين حفاظاً على صحته من أمراض أخطر قد تهدد حياته وكان لا يصغي إليهم بل يعود إلى الدخان فور إحساسه بالتحسن وخروجه من المستشفي ...
قالت أم خالد : نعم فهل أسمح – الآن – للآلام أن تعتصر قلب ولدي الغالي وتملأ صدره – وأنا التي أتألم لو وخزته شوكة في إصبعه ويؤرقني لو ارتفعت حرارته قليلاً - ؟؟ .
إنه صغير لا يقدر حجم المشكلة بل يريد أن يقلد ما يراه من الكبار ظناً منه أن كل ما يفعلونه مناسب لهم ويستحق التقليد . ولا يدري أن أباه كان مخطئاً ومفرطاً في صحته وماله ودينه وتربية أطفاله بدل أن يكون لهم أباً مثالياً وقدوة حسنة وأسوة جيدة يحتذى بها ... فقد كان دخانه يملأ الغرفة ويزعجنا جميعاً برائحته ، الكريهة ، وكان الأولاد يمرضون باستمرار نتيجة استنشاقهم دخان السجائر المتصاعد الذي يلوث الغرفة بسمومه المختلفة . وأذكر أيضاً يوم احترقت يد ولدي الصغير أمجد حين كان في حجر أبيه وأمسك بطرف السيجارة من الخلف فهرع أبو خالد لتبريد يد الطفل فوقعت السيجارة على السجادة فأحرقتها وكادت تشعل البيت لولا أن عناية الله تداركتنا بعد أن سيطر الذعر على الأولاد جميعاً ، وجعل الصغيرة – سعاد – تقف في مكانها راجفة القلب ..
أضافت أم خالد : وعيناها مغرقتان بالدموع ، كل هذا لا يذكر أمام ما أصبحنا نعانيه من الفقر وقلة ذات اليد في الآونة الأخيرة فقد كان المرض والإعياء يمنعان أبا خالد من ممارسة عمله بالشكل المطلوب فقل دخله وزاد ما صار ينفقه على الدخان فأخذت حاجتنا للغذاء والدواء تزداد ...
وبعد أن كنا نتصدق بما يزيد عن حاجتنا بتنا ننتظر ما يجود به المحسنون علينا بعد أن أقعد المرض أبا خالد فترات طويلة فكان يغلق متْجرهُ كلما زاد عليه الألم ... وأخذت آلامه تشتد ويضيق صدره ويخرج الدم الغزير مع تقشّعه وسعاله الذي كان يخيفنا ونشعر باقتراب أجله ، وكان لونه أصفراً وجسمه هزيلاً لقلة شهيته للطعام وهو لا يدري أنه أصيب بسرطان الرئة الذي بدت علاماته ، وأن النهاية قريبة وهو الموت المؤكد ..
سادت لحظات من الصمت قطعتها أمينة بصوت مخنوق وهي تمسح خدي أختها المبتلين بالدموع : رحم الله أبا خالد وبارك الله في أطفالك من بعده وأعانك على حمل مسؤولية تربيتهم ورعايتهم ...
أضافت أم خالد : لهذا كله سأعمل جاهدة لأقنع ولدي ألا يسير على نهج أبيه ولكن لا أدري كيف السبيل إلى ذلك ؟ هل ألجأ إلى ضربه وتعنيفه ومعاقبته أو إلى نصحه وإرشاده بلين وعطف ؟.
وهل يكفي هذا لتعديل سلوكه وإصلاح شأنه ؟ لقد احترت في أمري أرجوك أن تخبريني ما الطريقة المثلى لحل مثل هذه المشكلة ؟.
أبواب الحل
قالت أمينة : أني أرى أن تصارحيه بالحقيقة دون عنف أو عقاب لأن الضرب سوف يمنعه من التدخين أمامك فقط .... ولكن خذيه إلى جوارك وأرشديه إلى ضرر التدخين وسوء عواقبه كي يقتنع بتركه بدافع من نفسه ولا يعود إليه ثانية على الإطلاق .. واستدركت قائلة : لقد تذكرت ، هناك لجنة خاصة لمكافحة التدخين – وهي لجنة خيرية – من أولوياتها حماية النشء من الوقوع في براثن التدخين ومن محاسنها أنها تخاطب النشء على حسب مداركهم العقلية ، وتعرفهم بمخاطر التدخين ، ما رأيك أن تعرفي عنوانها وتأخذي خالداً إليها فربما تجدين الحل المثالي هناك ....
انفجرت أسارير أم خالد وتفتحت أمامها أبواب الأمل وقالت بشغف والفرحة تغمر فؤادها : هل ما تقولينه حقيقة يا أختي ؟. إن هذا لشيئ عظيم . الحمد لله على كرمه وإنعامه ...
أجابت أمينة : إن العالم كله أدرك بأن مشكلة التدخين مشكلة اجتماعية واقتصادية خطيرة على الفرد والمجتمع ، لذلك تسابقت الدول إلى تأسيس الجمعيات المناهضة للتدخين مساهمة منها في علاج المدخنين وحماية غير المدخنين ، وبث الوعي الصحي لديهم لوقايتهم من أخطار التدخين ...
شكرت أم خالد أختها أمينة على نصائحها القيمة وودعتها وأخبرتها أنها ستوافيها بما سيجد معها في مشكلتها . وتنفست الصعداء وشعرت بالراحة والطمأنينة بعد أن عانت من القلق والاضطراب واستغرقت في نوم عميق لم تستيقظ منه إلا على صوت جرس الباب ، فقد أتى الأولاد من المدرسة ...
وبعد الغداء ...................
للقصة بقية
انتظروها:58:
يتبع.......:002:
وطال الصمت ... وهي لا تزال شاردة الذهن مشغولة البال تحاول أن تستخلص بنات أفكارها لتصل إلى فكرة تنقذها مما هي فيه وتحملها إلى شواطئ الأمل وبر السلامة ....
وفجأة رن جرس الهاتف فارتعدت أوصالها لصوته الذي يكسر جدار الصمت ويحملها على الكلام وهي لا ترغب في التحدث مع أحد .. وبعد أن تكرر رنين الهاتف متوسلاً إليها أن تأخذ سماعته وتسمع شُكاته قامت إليه متثاقلة قبل أن يوقظ صوته النائمين لتجد أختها أمينة وتسأل عن سبب غيابها عن زيارتهم الأسرية .
لقد انتظرناك طويلاً وها قد انتهت الزيارة ولم تأتي ..
وحاولت أم خالد التحدث فلم تسعفها الكلمات ولم يساعدها صوتها الذي كان يخرج من أعماق حلقها – بصعوبة خافتاً – متقطعاً .
أنهت أمينة المكالمة لتترك أختها ترتاح بعد أن وعدتها أن تأتي إليها في صبيحة اليوم التالي ...
وطلع فجر الغد فتبدد الظلام وأشرقت الأرض بالضياء ولكن الدنيا بقيت مظلمة بعين أم خالد ولم تشعر بنور الشمس الساطع ولم تُجدد حياتها بميلاد يوم جديد ، فهي لم تنم بل بقيت حائرة الفكر ، شاردة الذهن كسيرة الفؤاد ..
وجاءت أختها أمينة تطلب منها أن تخبرها بسرعة عما يختلج صدرها ويكابد فؤادها ..
كان صوت أم خالد يغيب وهي تجهش بالبكاء وتروي لأختها ما رأته من ابنها خالد ...
وكانت دهشة الأخت كبيرة فسألت باستغراب ...
أيدخن وهو لا يزال في الثامنة من عمره ؟!! .. هذا غير معقول ... ألم يعلم ما حصل لأبيه من قبل ؟!
فتنهدت أم خالد تنهيدة عميقة وأجابت:إنه صغير السن لا يدرك حقيقة مرض أبيه فقد كان في السادسة من عمره حين مرض أبوه . أما أنا فلن أنسى ما حصل فقد كان زوجي يدخن باستمرار إلى أن أصابه سرطان الرئة الذي أودى بحياته كما تعلمين بعد مشوار طويل من العناء والمرض . كان لا ينام ولا يترك أحداً ينام من السعال والقطران الذي يملأ صدره ويسبب له ضيقاً في التنفس وتقشعاً مستمراً ...
آه لو تعلمين يا أختي كم كنت أتوسل إليه أن يترك التدخين رفقاً بصحته التي كانت تتدهور شيئاً فشيئاً ، ردت الأخت : نعم أذكر كم مرّةً نقل فيها إلى المستشفى ، وأذكر كم قضيت من ليال حزينة وأنت إلى جانبه – وهو يكابد الألم ويعاني الأوجاع القاسية – كنتِ لا تستريحين بل تتنقلين بين تربية الأطفال ومتابعتهم وبين مرافقته إلى المستشفى وهو يعاني من الالتهاب الشُعبي والكحة الشديدة وضيق التنفس .. وكم كان الأطباء ينصحونه في كل مرة بترك التدخين حفاظاً على صحته من أمراض أخطر قد تهدد حياته وكان لا يصغي إليهم بل يعود إلى الدخان فور إحساسه بالتحسن وخروجه من المستشفي ...
قالت أم خالد : نعم فهل أسمح – الآن – للآلام أن تعتصر قلب ولدي الغالي وتملأ صدره – وأنا التي أتألم لو وخزته شوكة في إصبعه ويؤرقني لو ارتفعت حرارته قليلاً - ؟؟ .
إنه صغير لا يقدر حجم المشكلة بل يريد أن يقلد ما يراه من الكبار ظناً منه أن كل ما يفعلونه مناسب لهم ويستحق التقليد . ولا يدري أن أباه كان مخطئاً ومفرطاً في صحته وماله ودينه وتربية أطفاله بدل أن يكون لهم أباً مثالياً وقدوة حسنة وأسوة جيدة يحتذى بها ... فقد كان دخانه يملأ الغرفة ويزعجنا جميعاً برائحته ، الكريهة ، وكان الأولاد يمرضون باستمرار نتيجة استنشاقهم دخان السجائر المتصاعد الذي يلوث الغرفة بسمومه المختلفة . وأذكر أيضاً يوم احترقت يد ولدي الصغير أمجد حين كان في حجر أبيه وأمسك بطرف السيجارة من الخلف فهرع أبو خالد لتبريد يد الطفل فوقعت السيجارة على السجادة فأحرقتها وكادت تشعل البيت لولا أن عناية الله تداركتنا بعد أن سيطر الذعر على الأولاد جميعاً ، وجعل الصغيرة – سعاد – تقف في مكانها راجفة القلب ..
أضافت أم خالد : وعيناها مغرقتان بالدموع ، كل هذا لا يذكر أمام ما أصبحنا نعانيه من الفقر وقلة ذات اليد في الآونة الأخيرة فقد كان المرض والإعياء يمنعان أبا خالد من ممارسة عمله بالشكل المطلوب فقل دخله وزاد ما صار ينفقه على الدخان فأخذت حاجتنا للغذاء والدواء تزداد ...
وبعد أن كنا نتصدق بما يزيد عن حاجتنا بتنا ننتظر ما يجود به المحسنون علينا بعد أن أقعد المرض أبا خالد فترات طويلة فكان يغلق متْجرهُ كلما زاد عليه الألم ... وأخذت آلامه تشتد ويضيق صدره ويخرج الدم الغزير مع تقشّعه وسعاله الذي كان يخيفنا ونشعر باقتراب أجله ، وكان لونه أصفراً وجسمه هزيلاً لقلة شهيته للطعام وهو لا يدري أنه أصيب بسرطان الرئة الذي بدت علاماته ، وأن النهاية قريبة وهو الموت المؤكد ..
سادت لحظات من الصمت قطعتها أمينة بصوت مخنوق وهي تمسح خدي أختها المبتلين بالدموع : رحم الله أبا خالد وبارك الله في أطفالك من بعده وأعانك على حمل مسؤولية تربيتهم ورعايتهم ...
أضافت أم خالد : لهذا كله سأعمل جاهدة لأقنع ولدي ألا يسير على نهج أبيه ولكن لا أدري كيف السبيل إلى ذلك ؟ هل ألجأ إلى ضربه وتعنيفه ومعاقبته أو إلى نصحه وإرشاده بلين وعطف ؟.
وهل يكفي هذا لتعديل سلوكه وإصلاح شأنه ؟ لقد احترت في أمري أرجوك أن تخبريني ما الطريقة المثلى لحل مثل هذه المشكلة ؟.
أبواب الحل
قالت أمينة : أني أرى أن تصارحيه بالحقيقة دون عنف أو عقاب لأن الضرب سوف يمنعه من التدخين أمامك فقط .... ولكن خذيه إلى جوارك وأرشديه إلى ضرر التدخين وسوء عواقبه كي يقتنع بتركه بدافع من نفسه ولا يعود إليه ثانية على الإطلاق .. واستدركت قائلة : لقد تذكرت ، هناك لجنة خاصة لمكافحة التدخين – وهي لجنة خيرية – من أولوياتها حماية النشء من الوقوع في براثن التدخين ومن محاسنها أنها تخاطب النشء على حسب مداركهم العقلية ، وتعرفهم بمخاطر التدخين ، ما رأيك أن تعرفي عنوانها وتأخذي خالداً إليها فربما تجدين الحل المثالي هناك ....
انفجرت أسارير أم خالد وتفتحت أمامها أبواب الأمل وقالت بشغف والفرحة تغمر فؤادها : هل ما تقولينه حقيقة يا أختي ؟. إن هذا لشيئ عظيم . الحمد لله على كرمه وإنعامه ...
أجابت أمينة : إن العالم كله أدرك بأن مشكلة التدخين مشكلة اجتماعية واقتصادية خطيرة على الفرد والمجتمع ، لذلك تسابقت الدول إلى تأسيس الجمعيات المناهضة للتدخين مساهمة منها في علاج المدخنين وحماية غير المدخنين ، وبث الوعي الصحي لديهم لوقايتهم من أخطار التدخين ...
شكرت أم خالد أختها أمينة على نصائحها القيمة وودعتها وأخبرتها أنها ستوافيها بما سيجد معها في مشكلتها . وتنفست الصعداء وشعرت بالراحة والطمأنينة بعد أن عانت من القلق والاضطراب واستغرقت في نوم عميق لم تستيقظ منه إلا على صوت جرس الباب ، فقد أتى الأولاد من المدرسة ...
وبعد الغداء ...................
للقصة بقية
انتظروها:58:
يتبع.......:002: